الاثنين، 23 يناير، 2012

                                                 
                                  اليس من العار  ان يحدث هذا  ؟؟


                                            
 اسمه سائد كان  في السادسة عشرة من عمره  عندما التقيته لاول مرة في ( مركز التدريب المهني )   منذ خمس سنوات شاب طويل القامة بشكل ملحوظ نحيل الجسم تدل ملامحه على انه اكبر من ذلك , خجول  قليل الكلام رغم عدم وجود اي اعاقات 
في النطق او السمع  , وكان مسالما الى درجة انه نادرا ما كان يتشاجر مع احد  وكان كثيرا ما يتقاسم اشياؤه مع الاخرين  عن طيب خاطر   نادرا ما كان يشكو او يتذمر من شيء , لم يكن له اصدقاء  وكان يميل الى الاطفال  بشكل ملحوظ ويحاول  مساعدتهم             
 واللعب  معهم دون ان يؤذيهم  وكان الاطفال  يحبونه  ايضا .
كان مستواه العقلي محيرا فاحيانا يتعامل مع الاخرين كشخص طبيعي  ولا تلاحظ عليه انه يعاني من اي اعاقة  واحيانا يتصرف كطفل في الخامسة من عمره  لم يبدي اي تقدم يذكر في التعليم الاكاديمي  وكثيرا ما كان المعلمون  يشكون قلة اهتمامه  وانتباهه
اثتاء الدروس وعادة ما كان   تقييمه العام ضعيفا  خاصة في النواحي الاكاديمية  ولكن يظهر عليه بعض التقدم في نواحي اخرى مثل المحادثة  والتعامل مع بعض النواحي الحياتية ، كان مؤدبا بشكل واضح ويستطيع التصرف بشكل مقبول ومعقول احيانا ،   
لم الاحظ عليه ابدا انه يميل الى الجنس الاخر في مثل سنه   او يبدي اي تصرف يدل على ذلك  كأن يحاول ان يجلب الانتباه كما يفعل الاخرون ولكنه للحقيقة كان يميل الى النساء والمعلمات الاكبر منه  سنا ، وكانت علاقته بأقرانه في المركز  من الذكور والاناث علاقة طبيعية ولم الاحظ اي اختلاف في التعامل معهم  وكان حسب ما اعتقد مقبولا من الجميع  نادرا ما يتشاجر مع احد وكان على العموم مسالما الى درجة  الاستسلام . وقد لاحظنا تطورا غير طبيعي  علي نمو سائد فكان يزداد شحوبا ويزداد بياض شعره  بشكل غير منطقي وبدت تظهر عليه علامات الهرم بشكل سريع وخطوط التجاعيد تزداد يوما بعد يوم  رغم انه لم يتجاوز العشرين من عمره بعد ، وقد عرضناه على الاطباء  الذين فسروا حالته كل حسب اختصاصه ورجعوا ذلك الى اضطراب في عمل الهرمونات  والغدد  ، والحقيقة اني لم اقتنع كثيرا بما   ذهبوا اليه  . كنا نشركه في كثير من الاعمال  التي تتطلب الدقة والعناية وكان من ناحيته يتقرب الى  المسؤلين  ويحاول ارضائهم    سواء   بالمديح او بتوزيع الحلوى التي كان يحضرها معه باستمرار  ولقد كنت اعتمد عليه  في نقل الاشياء او الرسائل  وكانت تربطني به علاقة جيدة وكان يثق بي وكثيرا ما يحكي لي بعض اسراره وياخذ رأي في  اموره الشخصية  رغم ان كثيرا منها كان مجرد استفسارات وهمية غير واقعية او اشياء صبيانية  وكنت عادة ما استجيب له واحاول   ان اشعره باهميته  واعزز لديه احترامه لذاته فقد كان لا يثق بنفسه كثيرا وكنت اجلس معه واستمع اليه وفي نفس الوقت اراقب تصرفاته .
    وفي احد الايام اتصلت ام سائد لتخبرنا انه قد قبض عليه وانه في السجن ، لقد صدمني هذا الخبر وقلت في نفسي لعل الامر مجرد خطأ عابر ولم استطيع الحصول على التفاصيل وقررت الذهاب الى بيت سائد ومقابلة والديه .
لقد تغيب سائد عن المركز لمدة اسبوع وعندما كنا نستفسر عن سبب غيابه كانوا يدعوا انه مريض ولكن ربما ان الامر اخطرمن ذلك  . وفي اليوم التالي ذهبت الى بيت سائد وقابلت والديه الذين شرحا لي ما حدث , لقد قبض عليه بتهمة فظيعة  اتهم انه قتل         طفلة في الثامنة من عمرها  بطريقة بشعة وبعد اغتصابها - سائد يفعل ذلك ؟ - ولم يستطيعوا اقناع المدعي العام والشرطة من قبل ان سائد لا يستطيع ان يفعل ذلك  وان هذا مستحيل بسبب حالته العقلية .
ووضع سائد بالسجن مع المجرمين واصحاب السوابق واللصوص دون اي اعتبار لحالته النفسية والعقلية ولا بد ان المحقق قد لاحظ عدم قدرة مازن على الاجابة المنطقية على اسئلته ولكنه لم يأخذ هذا في الاعتبار ربما لانه لم يجد الفاعل الحقيقي .
وقررت الذهاب الى السجن لمقابلة سائد  والاطمأنان  عنه والاطلاع على حالته ، ومن ثم مقابلة المحقق لمعرفة التفاصيل .
وعندما قابلت سائد ورايته في هذه الحالة حزنت جدا وقررت اخراجه  باي ثمن  لقد كان في حالة ضياع تام وقد ازداد عمرهعشرة سنوات مرة واحدة على الاقل  وازداد هرما كما لم اشاهده من قبل كان محطما بكل ما تعنيه الكلمة شاردا ساهما ويشبه في حالته تلك حالات المرضى العقليين  وهنا تكمن الخطورة .
قابلت مدير المركز في اليوم التالي  وشرحت له حالة سائد  وانه لا يمكنه من الناحية العقلية وكذلك الجسمية ان يفعل مثل هذا العمل حتى ولا المشاركة فيه ، وشرحت له ان سائد لا يملك المقومات الجنسية كرجل بالغ  ولكنه للاسف لم يقتنع بما قلت واصر على ان كل الادلة ثابتة عليه وانهم لا يهمهم اموره الاخرى ما دامت القرائن الجنائية تدينه  ولكن ماذا بخصوص الاهلية  ؟ وقد خرجت من مكتب المدير غاضبا حانقا . 
وقررنا ايجاد محامي ذو كفاءة عالية للدفاع عن سائد  وكان المحامي من اصدقائي ومن الذين يتعاطفون مع قضايا ابنائنا من هذه الفئة  وشرحنا له واقع سائد وحالته ووعدنا ان يبذل كل ما يستطيع لاخراجه من السجن وان المحاكمة ستكون في الشهر المقبل .
وفي التفاصيل  , كانت ليلى فتاة تعيش مع اسرتها بالقرب من بيت سائد  وكانت كثيرا ما تتسكع وتلعب بالشارع  مع الاولاد  والبنات  فهي على كل حال طفلة  وكان مظهرها العام يدل على انها اكبر من عمرها  مما كان يغري بعض الفتيان والاولاد الاكبرمنها سنا  للتحرش بها ومداعبتها وكانت هي تميل الى ذلك  وتجد فيه متعة  .
وقد وجدت في غرفة على سطح احدى العمارات القريبة وقد قتلت بصورة مأساوية بشعة   وقد تم اغتصابها مرارا  وقد تحطمت جمجمتها اثر ضربها بالحائط  لعدة مرات  وكانت الدماء تملاء  الغرفة والجدران  . لم اصدق ما قرأت عندما اطلعت على التقرير ، وايقنت ان سائد  قد تعرض لظلم لا مثيل له ،  ولا يمكن ان يكون له دور في هذا .
والغريب ان اهل الطفلة قد اتهموا سائد ايضا دون سبب ظاهر ولم استطع ان اقنعهم ان سائد  لا يملك لا الشجاعة ولا القدرة  لفعل ذلك .
وفي يوم المحاكمة  وضح المحامي لهيئة المحكمة ملابسات القضية وان سائد بحالته الراهنة لا يمكن له القيام بهذه الجريمة وطلب عرض سائد على لجنة طبية لبيان اهليته ومستواه العقلي وقد وافقت المحكمة على الطلب .
وافرج عن سائد بعد اطلاع المحكمة على قرار اللجنة الطبية  ولكن بعد ان قضى بالسجن حوالي ثلاثة اشهر، من المسؤول عن هذه المأساة  ؟ انا اعتقد ان الشرطة تتحمل المسؤولية بالدرجة الاولى  حيث انهم لم يبذلوا اي جهد يذكر في حل هذه القضية
بل اختاروا اسهل الطرق واقلها تكلفة  ، حيث انهم لم يحققوا او يتدبروا ووجدوا سائد امامهم فالصقوا به التهمة . 
وبعد الافراج عن سائد  بات على المحققين ان ينحوا منحى اخر ويعيدوا النظر في التحقيق ويبحثوا في ملابسات ما حدث ،
وفعلا بدأت الشكوك تحوم حول شابين من الجيران كانا كثيرا ما يتحرشان بالضحية وقد شوهدت اكثر من مرة معهما في الشارع  وقد اعترفا بعد مواجهتهما  ، واغلقت القضية . 
خرج سائد من السجن بعد ثلاثة اشهر قضاها بين المجرمين واللصوص اي تجربة ؟
قابلته كان محطما مكسور الجناح لا يدري ما يتحدث به  - لقد قلت لهم اني لم اقتلها 
فلم يصدقوني ، لقد ضربوني وقالوا اني كذاب  انا لم اقتلها واقسمت لهم اني لم اقتلها
لم يصدقوني - .
خرج سائد من السجن وقد ازداد شعره بياضا وبدت تقاسيم وجهه اكثر قساوة  ،
وظهرت خطوط جديدة من التجاعيد على وجهه وتحت عينيه .
خرج سائد من السجن لم يعد طفلا كبيرا ولا صغيرا لم يعد صاحب الابتسامة 
البريئة والنظرة الخجولة ،  اعتقد انه زاد نحولا  وطولا  واكثر هرما ، محطما 
عابسا ابدا ، عصبيا !! 
   فهل يستحق سائد ما حدث له ؟؟ سؤال نوجهه الى اصحاب القرار ان يتقوا الله في عملهم  ، وان يبذلوا بعض الجهد للوصول الى الحقيقة ، وان يتقوا الله في امثال هؤلاء الضعفاء .










لقد صدمتني هذه القصة  وهي قصة حقيقية حدثت معي  ولقد المتني كثيرا وقد القت بظلالها الكئيبة  على عملي بعد ذلك  .
وهذا ما دفعني في كثير من الاحيان الى امعان التفكير اكثر واكثر قبل اتخاذ قرارا صعبا  يمس حياة هؤلاء الناس الذين احببتهم  وعملت معهم لسنوات طويلة دون كلل او ملل فقط لانى كنت احبهم  وكنت اقدم اي شيء في سبيل ادخال الفرحة الى  قلوبهم .




                                                

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق